بمناسبة معرض بكين للسيارات، الذي ينطلق الأسبوع المقبل، تعلن مجموعة فولكسفاغن بوضوح عن طموحاتها: جعل الصين محور تحولها نحو السيارات الكهربائية. ومن خلال استراتيجية «في الصين، من أجل الصين»، لا تهدف الشركة الألمانية فقط إلى تعويض تأخرها، بل تسعى قبل كل شيء إلى ترسيخ مكانتها كرائدة تكنولوجية في أكبر سوق للسيارات في العالم.

استراتيجية تمليها أهمية السوق الصينية
في مجال السيارات الكهربائية، لا يُعتبر إعادة تموضع فولكسفاغن أمراً عابراً. فالمجموعة تعاني بالفعل من تأخر استراتيجي كبير في السوق العالمية الأولى. تمثل الصين اليوم ما يقرب من 60٪ من المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية، حيث تم بيع أكثر من 8 ملايين سيارة كهربائية العام الماضي. وعلى سبيل المقارنة، تبلغ المبيعات في أوروبا حوالي 3 ملايين سيارة، وفي الولايات المتحدة حوالي 1.5 مليون سيارة.
في هذا السياق، تكتسب الاستراتيجية المحلية للمجموعة أهمية حيوية. ويؤكد أوليفر بلوم، رئيس مجموعة فولكسفاغن: «من الضروري تعزيز وجودنا في الصين لترسيخ قدرتنا التنافسية على الصعيد العالمي. قبل ثلاث سنوات، أطلقنا استراتيجيتنا “في الصين، من أجل الصين” للاستفادة الكاملة من إمكانات الابتكار في السوق الصينية. مجموعة فولكس فاجن في طريقها لتصبح محركاً للابتكار التكنولوجي في قطاع السيارات على الصعيد العالمي.“

حملة تسويقية غير مسبوقة
وبالتالي، تعلن فولكسفاغن عن وتيرة إطلاق قوية للغاية لتعويض تأخرها. سيتم إطلاق أكثر من 20 طرازًا جديدًا من السيارات الكهربائية (BEV، PHEV، EREV) هذا العام، أي بمعدل سيارة واحدة كل أسبوعين. وفي بكين، تعرض المجموعة الألمانية أربعة طرازات تُطرح لأول مرة على مستوى العالم.
يضع هذا التسارع المجموعة في مسار ديناميكي مشابه لمسار الشركات الرائدة المحلية مثل BYD (15 طرازًا جديدًا في عام 2025) وXpeng وNIO، التي بنت نجاحها على سرعة التطوير والابتكار المستمر وإطلاق العديد من المنتجات. لكن يمكن أيضًا تفسير ذلك على أنه رد فعل مضطَر من جانب فولكس فاجن التي تتماشى مع هذه الضغوط التنافسية.

جيل جديد من المركبات المصممة محليًّا
يكمن جوهر هذا التحول في التركيز الشديد على تطوير المنتجات المخصصة للسوق المحلية. ففي غضون 36 شهراً فقط، تؤكد شركة فولكسفاغن أنها قامت بتجديد كامل لمجموعتها من المنتجات الموجهة للسوق الصينية.
لا بد من الاعتراف بأن الجيل الأول من ID لم يكن مقنعاً تماماً. ومن بين الانتقادات التي وردت من الصين وأوروبا: واجهات مستخدم غير بديهية، وأخطاء برمجية متكررة (في حين أن أهمية البرمجيات تلعب دوراً كبيراً في القيمة المضافة للمنتج)، وتجربة مستخدم أقل جودة من تلك التي يقدمها المنافسون.
وترتبط هذه الصعوبات إلى حد كبير بالتأخيرات التي تعاني منها «كارياد»، قسم البرمجيات التابع للمجموعة، والذي تراكمت عليه الإخفاقات وأجبر «فولكسفاغن» على تأجيل العديد من المشاريع الاستراتيجية. وفي سوق صيني أصبحت فيه التجربة الرقمية عنصراً أساسياً (شاشات متعددة، ومساعدات صوتية، وتكامل مع الهواتف الذكية)، أضر هذا القصور بالعلامة التجارية بشكل كبير.

تخفيض مدة التطوير من 48 إلى 24 شهراً
تُعد طرازات ID UNYX (التي تم تطويرها بالاشتراك مع Xpeng) وID AURA (التي تنتجها FAW-Volkswagen) من أبرز طرازات الجيل الجديد من ID. وتتميز هذه الطرازات بهيكل إلكتروني خاص يُعرف باسم CEA (الهيكل الإلكتروني الصيني). ويتمثل الهدف في تصميم السيارات الكهربائية باستخدام عدد أقل من أجهزة الحوسبة (وأكثر مركزية)، وتحديثات OTA (أسرع)، وتكامل متقدم لأنظمة ADAS ونظام المعلومات والترفيه، وتوفير القيادة المساعدة من المستوى 2+، والملاحة الآلية داخل المدينة، والوقوف الذاتي. وهي ميزات حققت فيها الشركات الصينية المنافسة تقدماً كبيراً بالفعل، وتسمح لها بكسب ولاء العملاء.
سيتم تطوير كل سيارة من سيارات مجموعة فولكس فاجن في غضون 24 شهراً (مقابل 36 إلى 48 شهراً في المعتاد)، وهو تقصير حاسم في مدة الدورة الإنتاجية لمواجهة المنافسين المحليين.

من سيارة جيتا الكهربائية ذات الأسعار المعقولة إلى سيارة أودي الفاخرة المزودة بأحدث التقنيات
من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور، تعتزم مجموعة فولكس فاجن تغطية جميع قطاعات السوق:
– الفئة الاقتصادية مع علامة JETTA التجارية، التي تكشف في بكين عن مفهوم يهدف إلى جعل السيارات الكهربائية في متناول الجميع، بسعر يقل عن 15000 يورو، بل وحتى ابتداءً من 10000 يورو للطرازات الأساسية.
– جوهر السوق الذي تجسده مجموعة ID الجديدة من فولكسفاغن، مع طرازات تلبي التوقعات (اتصال متطور، واجهات رقمية وتصميم مميز).
– فئة السيارات الفاخرة، المخصصة لعلامتي أودي (Audi) وأودي (AUDI) (الكيان الجديد الذي أُطلق خصيصًا في الصين)، والتي تضم سيارات سيدان فاخرة مثل أودي A6L e-tron، وأودي E5 Sportback (التي حازت على لقب سيارة العام في الصين)، أو أودي E7X1. وهي طرازات من غير المرجح أن تصل إلى أوروبا. تشهد الفئة الفاخرة الكهربائية نمواً ديناميكياً (+30%) مدفوعاً بعشاق التكنولوجيا.
معركة البرمجيات والقيادة الذاتية
إلى جانب السيارات، تستثمر فولكسفاغن بشكل مكثف في تقنيات مثل أنظمة ADAS المتطورة من المستوى الثاني (القيادة شبه الذاتية)، ووظيفة «Navigate on Autopilot» في المناطق الحضرية، ونظام ركن السيارات الآلي. وقد تم تطوير هذه الأنظمة بالتعاون مع CARIZON، وهي شركة مشتركة متخصصة في القيادة الذكية.
وتأمل مجموعة فولكس فاجن بذلك في اللحاق بالشركات المحلية الرائدة مثل XPeng أو Huawei، التي تتقدم عليها بفارق كبير في مجال القيادة المساعدة داخل المدن على وجه الخصوص. ومن العوامل الأخرى التي تدفع نمو فولكس فاجن تطوير أنظمة على رقاقة (SoC) خاصة بها، والتي تسمح بتحسين البرامج، حيث تمثل هذه البرامج ما يقرب من 30% من قيمة السيارة الكهربائية.

تحدي عالمي لشركة فولكسفاغن
تتجاوز هذه الحملة في الصين («مختبر الابتكارات»، حيث يتم إعادة تعريف الترتيب الهرمي في قطاع السيارات) الإطار المحلي بكثير. إن نجاح هذه الاستراتيجية الكهربائية يحدد قدرة المجموعة على الحفاظ على قدرتها التنافسية في مواجهة «تيسلا»، التي لا تزال تحتل الصدارة عالمياً من حيث صورة العلامة التجارية، وفي مواجهة الشركات الصينية المصنعة التي تواصل اكتساب المزيد من الحصص السوقية (أصبحت «بي واي دي» الشركة الأولى عالمياً من حيث حجم المبيعات).
تقوم مجموعة فولكسفاغن بتغيير نموذج عملها من خلال تعزيز شراكاتها الاستراتيجية وتطبيق نهج إقليمي في اتخاذ قراراتها. أو كيف أن شركة تصنيع سيارات عريقة لم تعد تملي وتيرتها على الآخرين، وتحاول إعادة ابتكار نفسها بوتيرة تنافسية تضاهي سرعة الشركات الجديدة الداخلة إلى السوق.












































