التصنيف: المملكة العربية السعودية

  • التنقل الكهربائي في المملكة العربية السعودية: طموحات هائلة، واقع في مهده

    التنقل الكهربائي في المملكة العربية السعودية: طموحات هائلة، واقع في مهده

    تقوم المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، بتحول استراتيجي كبير من خلال مبادرة «رؤية 2030». وتراهن المملكة على السيارات الكهربائية لتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على الهيدروكربونات. ومن خلال الاستثمارات الضخمة، وبناء منظومة صناعية وطنية، والأهداف الطموحة، تعمل البلاد على بناء سوق لا يزال في مهده، لكنه مدعوم بإرادة سياسية لا تتزعزع.

    المصدر: Lucid

    رؤية 2030: مسار واضح نحو التحول إلى الطاقة الكهربائية

    ولتحقيق هذا التغيير، لا تتعامل المملكة العربية السعودية مع الأمور بنصف جهد. فبرنامج «رؤية 2030»، الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يحدد هدفاً رمزياً: أن تكون 30% من المركبات التي تسير في الرياض كهربائية بحلول عام 2030. وهو رقم قد يبدو متواضعاً مقارنة بالمعايير الأوروبية، لكنه يمثل ثورة بالنسبة لبلد يبلغ فيه سعر لتر البنزين 0.57 يورو.

    كما تسعى المملكة إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، وهو التزام أثار شكوك المراقبين الدوليين، لكنه يشكل اليوم أساس سياستها الشاملة في مجال التنقل. ولتحقيق ذلك، تعتمد الحكومة على صندوقها السيادي، صندوق الاستثمار العام (PIF)، الذي يخصص 150 مليار ريال سعودي (حوالي 34.35 مليار يورو) على مدى العقد لبناء النظام الوطني للطاقة الكهربائية.

    ولتشجيع هذا التحول، وضعت الحكومة حوافز واضحة مثل الإعفاء من الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل للسيارات الكهربائية. كما تخصص الدولة إعانات لأساطيل سيارات الشركات. وهي استراتيجية معتادة في دول الخليج الملكية، حيث يتولى الدولة زمام المبادرة ويوفر التمويل على نطاق واسع قبل أن يتولى السوق زمام الأمور.

    إلى جانب الأهداف المحددة لعام 2030، ستسلط مشاريع حضرية ضخمة مثل نيوم (NEOM) وقيدية (Qiddiya) وذا لاين (The Line) الضوء على هذه الطريقة المختلفة في التنقل. ففي هذه المناطق، سيتم نشر أساطيل كاملة من المركبات الكهربائية لإثارة فضول السكان بشكل أكبر.

    "ذا لاين" هو مشروع مبتكر يجسد مدينة المستقبل. اكتشف المزيج الفريد بين التكنولوجيا المتطورة والاستدامة البيئية والراحة في هذا المشروع الضخم. استكشف البنية التحتية المبتكرة والمركبات ذاتية القيادة وأنظمة الإدارة الذكية في بيئة مصممة للعيش والعمل والترفيه. تعرف على المزيد حول أهمية مشروع "ذا لاين" في استراتيجية التنمية المستقبلية.

    شبكة شحن قيد الإنشاء

    لا تزال البنية التحتية تمثل نقطة الضعف في قطاع السيارات الكهربائية في السعودية. حتى الآن، يوجد في المملكة حوالي 1200 محطة شحن عامة موزعة على 400 موقع، وهو رقم لا يزال متواضعاً بالنسبة لبلد تبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة فرنسا. لكن الطموح المعلن مختلف تماماً: 5000 محطة شحن بحلول نهاية عام 2025 و50000 محطة بحلول عام 2030.

    تعتزم شركة EVIQ (شركة البنية التحتية للسيارات الكهربائية)، التي أنشأها صندوق الاستثمار العام (PIF) وشركة الكهرباء السعودية، تركيب حوالي 60 محطة متعددة الشواحن بحلول نهاية عام 2025-2026، تتركز في المحاور الحضرية الرئيسية: الرياض وجدة والدمام.

    المصدر: EVIQ

    منذ يناير 2024، بلغت الاستثمارات المخصصة لهذا الغرض 5.3 مليار ريال سعودي (حوالي 1.21 مليار يورو)، بهدف تغطية ليس فقط المناطق الحضرية، بل أيضًا الطرق السريعة التي تربط الرياض بجدة (950 كم) أو الدمام.

    لكن التحدي كبير: ففي بلد تتسم فيه المسافات بالاتساع الشديد وتضع درجات الحرارة القصوى البنية التحتية تحت ضغط شديد، يجب أن تكون الشبكة كثيفة وموثوقة في آن واحد. ووفقًا لدراسة أجرتها شركة رولاند بيرغر، يبلغ معدل رضا المستخدمين السعوديين عن محطات الشحن العامة الحالية 94٪، وهو معدل أعلى من نظيره في ألمانيا أو الولايات المتحدة.

    سوق سيارات ضخم، لكنه لا يزال مترددًا تجاه السيارات الكهربائية

    تعد المملكة العربية السعودية أكبر سوق للسيارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، حيث بيعت فيها حوالي 837 ألف سيارة جديدة في عام 2024. لكن ضمن هذا الحجم الهائل، لا تزال حصة السيارات الكهربائية هامشية. وقد قفزت أعداد السيارات المسجلة من 375 سيارة كهربائية في عام 2021 إلى أكثر من 12,000 سيارة في نهاية عام 2023، لتشكل حصة تقدر بنحو 15% من مبيعات السيارات الجديدة في المدن الكبرى في نهاية عام 2025.

    أكثر الطرازات الكهربائية انتشارًا على الطرق السعودية هي في الغالب مستوردة: تهيمن تسلا على فئة السيارات الفاخرة، في حين تطمح BYD إلى بيع 5000 وحدة بحلول عام 2025. وفي فئة السيارات الهجينة، تحتفظ تويوتا وهيونداي/كيا بهيمنة ساحقة، مستفيدتين من عملاء معتادين على المحركات التقليدية ومطمئنين لعدم الاعتماد الكامل على محطات الشحن. لكن هناك لاعبين محليين يظهرون على الساحة ويأملون في زعزعة هذا الترتيب.

    المصدر: Ceed

    Ceer وLucid وEVIQ: ركائز النظام البيئي الوطني

    لا تكتفي المملكة العربية السعودية باستيراد السيارات الكهربائية فحسب. بل تعمل المملكة بشكل منهجي على بناء صناعة سيارات وطنية، تستند إلى ثلاثة ركائز استراتيجية:

    • تنتج «سيير موتورز»، أول علامة تجارية سعودية تعمل بالكهرباء بنسبة 100٪، سيارات سيدان وسيارات الدفع الرباعي (SUV) بالشراكة مع «فوكسكون» و«بي إم دبليو»، وتستهدف إنتاج ما بين 150,000 و170,000 سيارة سنويًا.
    • تقوم شركة «لوسيد موتورز»، التي يمتلك صندوق الاستثمار العام (PIF) 61% من أسهمها، بتجميع سيارة «لوسيد إير» في مصنع كايس (KAEC)، وتخطط لإنتاج ما يصل إلى 150 ألف وحدة سنويًا، في إطار اتفاقية شراء 100 ألف سيارة على مدى العقد الحالي. وتستخدم الشرطة السعودية سيارات من ماركة «لوسيد» منذ بداية عام 2024.
    • تقوم شركة EVIQ بنشر البنى التحتية وتطوير أنظمة الشحن الذكي والحلول الطاقية المدمجة في المشاريع الحضرية.

    وتكمل العديد من الشركات الناشئة المحلية هذا النظام البيئي من خلال حلول إدارة الأساطيل وتحسين كفاءة الطاقة. كما تستثمر شركتا «هيونداي» و«هيومان هوريزونز» في هذا المجال، مما يؤكد جاذبية البلاد على الصعيد الدولي بالنسبة لمصنعي السيارات الكهربائية.

    هيونداي و«هومان هوريزونز» والطموحات الصناعية

    لا يقتصر النظام البيئي السعودي على الجهات الفاعلة المحلية فقط. ففي سبتمبر 2023، أعلنت شركة هيونداي عن مشروع لإنشاء مصنع محلي لإنتاج السيارات الكهربائية والسيارات التي تعمل بالغاز، مما يؤكد جاذبية المملكة بالنسبة للمجموعات الدولية الكبرى. في يونيو 2023، تم توقيع اتفاقية بقيمة 4.8 مليار يورو مع شركة “هيومان هوريزونز”. تعمل هذه الشركة الصينية المصنعة للسيارات الكهربائية على تطوير وتصنيع سياراتها الكهربائية، وتأمل في بيعها في السوق السعودية.

    العوائق: الأسعار والبنية التحتية والعادات الثقافية

    على الرغم من هذه الطموحات، لا يزال انتشار السيارات الكهربائية محدودًا بسبب عدة عقبات هيكلية. لا تزال السيارات الكهربائية باهظة الثمن (Lucid Air > 80,000 يورو، Tesla > 50,000 يورو) مقارنةً بالسيارات التي تعمل بالوقود. وبالنسبة لبلد بهذه المساحة الشاسعة، فإن البنية التحتية غير كافية على الإطلاق (1,200 محطة شحن عامة). ولا تزال الرحلات بين المدن تمثل مشكلة، حيث لا تتجاوز مسافة السير التي تتيحها أفضل البطاريات 400 إلى 500 كيلومتر. كما أن العادات الثقافية تعيق اعتماد هذه السيارات: حيث يبلغ سعر لتر البنزين 0,57 يورو، وترمز سيارات الدفع الرباعي التي تعمل بالوقود الأحفوري إلى المكانة الاجتماعية، ولا يستطيع ما يقرب من ثلث السائقين شحن سياراتهم في المنزل.

    التوقعات: من المتوقع أن يبدأ النمو اعتبارًا من 2025-2026

    من المتوقع أن تبدأ عمليات تسليم سيارات Ceer اعتبارًا من النصف الثاني من هذا العقد، وقد افتتحت تسلا ثلاثة وكالات (الرياض وجدة والدمام) مزودة بمحطات شحن سريع جاهزة للعمل، كما بدأت شبكة EVIQ في التوسع. يتوقع المحللون تسارعًا في المبيعات اعتبارًا من عام 2026، مدفوعًا بوصول طرازات أكثر سهولة في الشراء والتحسين التدريجي للبنية التحتية. وتواصل الحكومة الضغط المستمر: أهداف رؤية 2030 غير قابلة للتفاوض، وتستمر الاستثمارات في النظام البيئي.

    الصورة: فايز نور الدين

    رهان على المستقبل

    تجسد حركة التنقل الكهربائي في السعودية مفارقة مثيرة للاهتمام: بلد بُني على النفط يستثمر بشكل مكثف في بديله. ولا تنبع هذه التحول من قناعة بيئية مفاجئة، بل من حساب استراتيجي يهدف إلى تنويع الاقتصاد. لا تقتصر رؤية 2030 على السيارات الكهربائية فحسب، بل تشمل السياحة والطاقة المتجددة والمشاريع الحضرية الضخمة والتحول الصناعي. وعلى عكس الأسواق الناشئة الأخرى، تتمتع المملكة العربية السعودية بميزة كبيرة تتمثل في موارد مالية شبه غير محدودة وإرادة سياسية مركزية. ستكشف السنوات القادمة ما إذا كان هذا المشروع سيتحول إلى قصة نجاح صناعية. في بلد لا تكلف فيه البنزين شيئاً وتسود فيه سيارات الدفع الرباعي التي تعمل بالوقود الأحفوري، فإن إطلاق التنقل الكهربائي يعد إنجازاً تقنياً بقدر ما هو ثورة ثقافية.